كريم نجيب الأغر
235
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وذلك أن كلا الحديثين يتكلم عن نفس العملية - عملية الإحضار - وقد ورد في الحديث الأول لفظ النطفة . كذلك فإن الحديث الثاني تدور وقائعه في مرحلة الاستقرار ؛ وذلك أن كلّا من الحديثين يتكلم عن نفس العملية - عملية الإحضار - وقد جاء ذكر الاستقرار في الحديث الأول . وجمعا بين التفاسير السابقة نفهم أن وقائع كل من الحديثين : رقم 63 ، ورقم 21 ، تدور حول استقرار النطفة المخصبة في الرّحم . واستقرار النطفة المخصبة يحدث عند - أو قبل بقليل من - عملية الإحضار وفقا للحديث الأول « إذا استقرت في الرحم أحضرها اللّه . . . » لأن معنى الحديث هو كالتالي : عندما يحين استقرار النطفة يحضرها اللّه . . . ، وعملية جمع الجنين أيضا تحدث مباشرة قبل عملية الإحضار حسبما جاء في الحديث الثاني « فإذا كان يوم السابع ، جمعه اللّه تعالى ، ثمّ أحضر له كل عرق » ، وبالتالي فإن عملية الاستقرار تحصل في نفس الفترة الزمنية التي تحصل فيها عملية الجمع ( وسوف نتحدث عن عملية الجمع في مبحث « جمع خلايا الجنين » ) . وبما أن عملية الجمع تبدأ بعد اليوم السابع فهذا يعني أن عملية الاستقرار تبدأ هي أيضا في حوالي اليوم السابع من خلال غيض النطفة في الرّحم حسب المعطيات الشرعية ، وكما أقره العلم تماما . وإنه لمن الإعجاز حقا أن يبيّن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بدقة وقت استقرار النطفة في الرحم « 1 » ! نظرا إلى المدة الطويلة التي يستغرقها الحمل ( تسعة أشهر ) ، ونظرا لكثرة
--> ( 1 ) والحديث رقم 63 ضعيف جدّا ( راجع « قسم تخريج الأحاديث وصلتها بالإعجاز العلمي » ) ، فلا يجب نسبته للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ( راجع مبحث « تعريف الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والأسس التي يرتكز عليها » ) ، وإن أوردناه هنا فذلك بغية التفسير لأنه واضح الدلالة ، ويستعاض عنه بالحديث رقم 33 . فلفظ الاستقرار وارد فيه ، ومعنى التخلّق ( أي التركيب ) ( الذي يستوجب معنى الإحضار ) كذلك ، وهو « النطفة إذا استقرّت في الرّحم جاءها ملك ، فأخذها بكفّه فقال : أي ربّ : مخلّقة أم غير مخلّقة ؟ ، فإن قيل : غير مخلّقة ، لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام دما » [ أخرجه ابن أبي حاتم ح 33 ] . وقد نحتاج أحيانا للاستئناس بالأحاديث الضعيفة جدا لتفسير أحاديث أخرى ، ولبيان بعض أبعادها المتخفية ، ولكن ضمن شروط مثل : أن تتعدد الأحاديث حول الموضوع الواحد ، وأن نجد بينها أحاديث مقبولة الإسناد تشير إلى نفس المعنى ، بحيث تؤلف مجموعة - لا ريب - صحيحة . في هذه الحالة يذكر الحديث الضعيف مع بيان ضعفه ( حتى لا ينسب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، خصوصا إذا تناول حقائق علمية غيبية في غاية الدقة غير مألوفة لدى العلماء إبان التنزيل وقبله ، ولا مجال لإدراكها من قبل العلماء إلا بوسائل ذات تقنية عالية . وهذا الكلام يطبّق على كل الأحاديث الضعيفة جدّا التي أوردناها في هذا البحث والتي تنضبط بهذه الشروط . وقد أشرنا في « قسم تخريج الأحاديث وصلتها بالإعجاز العلمي » إلى الأحاديث التي لها نفس المعاني حتى يتسنّى للقارئ أن يقابل بعضها ببعض .